الأحد 1 صفر 1439 هـ الموافق 22 أكتوبر 2017
 
 
             
أكثر المقالات قراءة
بداية التفاهم ونهاية التخاصم
العلامة السلفي الشيخ بابه بن الشيخ سيديا
الرد على كلام الشيخ محمد بن سيد يحي حول المولد النبوي/ فضيلة الشيخ أحمد الكوري
عشر ذي الحجة .. موسم العمل الصالح !
مع دعوة الدين المدني ... الجذور وجهود الأسلمة
دُمُوعٌ فِي مَآقِي الزَّمَن
خطبة الجمعة .. بين التأسيس والتسييس
المحاظر والمخاطر
مهزلة النوافذ الاسلامية للبنوك التقليدية
نظرات في سورة يوسف

مقالات > اللغة العربية
تاريخ الإضافة: 2016/08/24 - (403) قراءة

سلسلة "ظواهر لغوية" 2

 

الحلقة الثانية
لفتنا في الحلقة الماضية أنظار المهتمين إلى ظاهر الازدواج"المحاذاة" وورد في سياق الكلام عليها أن مراعاة الفواصل" وهو نمط من الازدواج والمحاذاة" ظاهرة تستحق التدبر وقد اعتنى ببيان الإعجاز اللفظي فيها عامة المفسرين والبيانيين وأظهروا من مراعاة الفواصل في نظم القرآن ما لا ينكره إلا جاهل أو مكابر ولا يتقنه إلا اللقِن الماهر وقد أورد الإمام السيوطي في "معترك الأقران في إعجاز القرآن" 1/26 ما نصه:
قال: والتحرير أن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل.
قال: فإن قيل: إذا كان عندكم أن السجع محمود فَهلا وَرَدَ القرآنُ كله
مسجوعاً، وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع، قلنا، إن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى عُرْفهم وعادتهم، وكان الفصيح منهم
لا يكون كلامُه كله مسجوعاً، لما فيه من أمارات التكلف والاستكراه لاستماع طول الكلام، فلم يَرِدْ كله مسجوعاً جرياً منهم على عُرْفِهم في اللطيفة الغالبة من كلامهم، ولم يخل من السجع، لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة السابقة.
وقد ألف الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي كتاباً سماه " إحكام الراي في
أحكام الآي " قال فيه: إن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية يُرتكب بها
أمور من مخالفة الأصول.
قال: وقد تتبعت الأحكام التي وقعت في آخر الآي مراعاة للمناسبة فعثرت
منها على ما ينيف على الأربعين حكماً:
1 - تقديم المعمول إما على العوامل نحو: (أهؤلاء إياكم كانوا يعْبُدون(
قيل: ومنه: (وَإيّاك نستعين( أو معمول آخر أصله التقديم، نحو: (لِنُرِيَكَ مِنْ آياتنَا الْكبْرَى(
إذا أعربنا (الكبرى) مفعول نرِي. أو على الفاعل، نحو: (ولقد جاء آل فرعون النّذُر( ومنه تقديم خبر كان على اسمها، نحو: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(
2- تقديم ما هو متأخر في الزمان، نحو: (فَلِلّهِ الآخِرَةُ والاْولى( ولولا مراعاة الفواصل لقُدمت " الأولى"، كقوله: (لهُ الْحَمْدُ في الأولى والآخرة(
3-  تقديم الفاضل على الأفضل، نحو: (برَبِّ هَارون ومُوسى( وتقدم ما فيه.
4-  تقديم الضمير على ما يفسره، نحو: (فأوْجَسَ في نَفْسِه خِيفَة مُوسى(
5- تقديم الصفة الجملة على الصفة المفرد، نحو: (وَنُخْرجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِكِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُورا)
6-  حذف ياء المنقوص المعرّف، نحو: (الكبِير المتعال)  (يوم التناد)
7-  حذف ياء الفعل غير المجزوم، نحو: (واللّيْلِ إذَا يَسْرِ(
8- حذف ياء الإضافة، نحو: (فكيف كان عَذَابي ونُذُر)  (فكيف كان عقاب)
9- حرف المد، نحو: الظنُونَا، والرسولا، والسبيلا ومنه إبقاؤه مع الجازم، نحو: (لا تخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى)  (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ) على القول بأنه نَهْي.
10-  صرف ما لا ينصرف، نحو: (قَوَاريرا. قَوَاريرا)
11- إيثار تذكير الجنس، كقوله: (أعجاز نَخْلٍ مُنْقَعِرْ)
12- إيثار تأنيثه، نحو: (أعجاز نَخْل خَاوية)  ونظيرُ هذين قوله في القمر: (وكلّ صَغِير وَكَبير مستَطَر)
وفي الكهف: (لا يُغادِرُ صَغِيرة ولا كَبِيرة إِلاَّ أحصَاها)
13-  الاقتصار على أحد الوجهين الجائزين اللذين قرىء بهما في السبع في غير ذلك، كقوله: (فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) ولم يجئْ رُشْداً في السبع، وكذا: (وهَبْ لَنَا مِنْ أمْرِنَا رَشَدا)، فإن الفواصل في السورتين محركة الوسط، وقد جاء في: (وإن يَرَوْا سَبِيل الرّشْد) وبهذا يبطل ترجيح الفارسي قراءة التحريك بالإجماع عليه فيما تقدم. ونظير ذلك قراءة: (تَبّتْ يَدَا أبِي لَهَب) بفتح الهاء وسكونها، ولم يقرأ: (سيصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَب) إلا بالفتح لمراعاة الفاصلة.
14-  إيراد الجملة التي ورد بها ما قبلها على غير وجه المطابقة في الاسمية والفعلية، كقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بالله وَباليَوْمِ الآخر ومَا هَمْ بمؤمِنين) لم يطابق بين قولهم " آمنّا" وبين ما ردّ به فيقول: لم يؤمنوا، أو ما آمَنوا لِذَلك.
15-  إيراد أحد القِسمين غير مطابق للآخر كذلك، نحو: (فليعلمنَّ الله الذين صدقوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذبين) ولم يقل الذين كذبوا.
16-  إيراد أحد جزأي الجملتين على غير الوجه الذي أورد نظيرها من الجملة الأخرى، نحو: (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتَّقُون)
17- إيثار أغرب اللفظتين، نحو: (قِسْمَةٌ ضِيزَى)، ولم يقل جائرة و (لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَة) ولم يقل جهنم أو النار. وقال في المدثر: (سَأصليهِ سَقَر) وفي سأل (إِنَّهَا لَظَى) وفي القارعة: (فأمُّهُ هَاوِية) . لمراعاة فواصل كل سورة.
18-  اختصاص كل من المشتركين بموضع، نحو: (وليذكَّر أولو الألباب) وفي سورة طه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى)
19- حذف المفعول، نحو: (فأمَّا مَنْ أعطَى واتَّقَى) (ما وَدَّعَكَ ربُّكَ ومَا قَلَى)،ومنه حذف متعلق أفعل التفضيل، نحو: (يَعْلَم السَرَّ وأخْفَى) ، (خَيْر وأبقى)
20- الاستغناء بالإفراد عن التثنية، نحو: (فلا يُخْرِجَنَّكمَا من الجنة فتَشْقَى)
21- الاستغناء به عن الجمع، نحو: (واجْعَلْنَا للِمُتَّقِين إماماً) . ولم يقل أئمة، كما قال: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) أي أنهار.
22- الاستغناء بالتثنية عن الإفراد، نحو: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)
قال الفراء: أراد جنة، كقوله: (فإن الجنَّةَ هي المأوَى) فثنى لأجل الفاصلة.
قال: والقوافي تحتمل من الزيادة والنقصان ما لا يحتمله سائر الكلام.
ونظير ذلك قول الفراء أيضاً في قوله: (إذ انْبَعَثَ أشْقَاهَا) ، فإنهما رجلان قدَار وآخر معه ولم يقل أشقياها للفاصلة. وقد أنكر ذلك ابن قتيبة وأغلظ فيه، وقال: إنما يجوز في رؤوس الآي زيادة هاء السكت أو الألف أو حذف همزة أو حرف، فأما أن يكون الله وعد جنتين فيجعلهما جنة واحدة لأجل رؤوس الآى فمعاذ الله! وكيف هذا وهو يصفهما بصفات الاثنين. قال: (ذَوَاتَا أفْنَان)، ثم قال: " فيهما". وأما ابن الصائغ فإنه نقل عن الفراء أنه أراد جنات، فأطلق الاثنين على الجمع لأجل الفاصلة، ثم قال: وهذا غير بعيد.
قال: وإنما أعاد الضمير بعد ذلك بصيغة التثنية مراعاة للفظ، وهذا هو الثالث والعشرون.
24-  الاستغناء بالجمَع عن الإفراد، نحو: (لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ)، أى ولا خُلّة، كما في الأخرى، وجمع مراعاة للفاصلة.
25-  إجراء غير العاقل مجرى العاقل، نحو: (رَأيْتُهُمْ لي ساجدين) (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ )
26- إمالة ما لا يمال، كآى طه والنجم.
27-  الإتيان بصيغة المبالغة، كقدير، وعليم، مع ترك ذلك في نحو: (هو القادر) ، و (عالم الغيب)
ومنه: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا )
28- إيثار بعض أوصاف المبالغة على بعض، نحو: (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) أوثر على عجيب لذلك.
29- الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، نحو: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى)
30-  إيقاع الظاهر موقع المضمر، نحو: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ) وكذا آية الكهف.
31-  وقوع مفعول موقع فاعل، كقوله: (حِجَابًا مَسْتُورًا ) ( إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا)،أي ساتراً، وآتياً.
32- وقوع فاعل موقع مفعول، نحو (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) (ماءٍ دافق)
33- الفصل بين الموصوف والصفة، نحو: (أخرج المرعَى فجعلَهُ غثَاءً أحْوَى) إن أعْرِب أحوى صفة للمرعى، أي حالاً.
34- إيقاع حرف مكان غيره، نحو: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا والأصل إليها)
35-  الاستغناء بالجمَع عن الإفراد، نحو: (لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ)، أى ولا خُلّة، كما في الأخرى، وجمع مراعاة للفاصلة..
36- حذف الفاعل ونيابة المفعول نحو: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى )
37- إثبات هاء السكت، نحو: مالِيَه. سُلْطَانيَه. مَا هِيَه.
38- الجمع بين المجرورات، نحو: (ثم لا تَجِدُوا لكم عَلَيْنَا به تَبِيعا)، فإن الأحسن الفصل بينهما، إلا أن مراعاة الفاصلة اقتضت عدمه.
39- العدول عن صيغة المضي إلى صيغة الاستقبال، نحو: (فَفَرِيقاً كذَّبتم
وفريقاً تَقْتُلون) ، الأصل قتلتم.
40- تغيير بنْية الكلمة، نحو: (وطورِ سينين) والأصل طور سيناء.
قال ابن الصائغ: لا يمتنعُ في توجيه الخروج عن الأصل في الآيات المذكورة أمور أخرى مع وجه المناسبة، فإن القرآن العظيم - كما جاء في الأثر - لا تنقضي عجائبه.
وقال ابن أبي الإصبع: لا تخرج فواصل القرآن عن أحد أربعة أشياء:
التمكين، والتصدير، والتوشيح، والإيغال.
والتمكين - ويسمى ائتلاف القافية: أن يمهد الناثرُ للقرينة أو الشاعر للقافية تمهيداً تأتي به القافية أو القرينة متمكنة في أماكنها مستقرة في قرارها، مطمئنة في مواضعها، غير نافرة ولا قلقة، ومتعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقاً تاما، بحيث لو طرِحَت لاختل المعنى واضطرب الفهم، وبحيث لو سكت عنها كمّله السامع بطبعه.
ومن أمثلة ذلك قوله: (يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تأمُرُكَ)
تقدم في الآية ذكر العبادة وتلاه ذكر التصرف في الأموال اقتضى ذلك ذكر الحلم والرشد على الترتيب، لأن الحلم يناسب العبادات، والرشد يناسب الأموال.
وقوله: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) ... إلى قوله ( أفلا يُبْصرُون)
فأتى في الآية الأولى بـ يهْدِ لهم، وختمها بِ "يَسْمَعُون "، لأن الموعظة فيها مسموعة وهي أخبار القرون.
وفي الثانية بـ يروا، وختمها بـ "يبصرون" لأنها مرئية.
وقوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )
فإن اللطيف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبير يناسب ما يدركه.
وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ)
إلى قوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، فإن في هذه الفاصلة التمكين التام المناسب لما قبلها.
وقد بادر بعض الصحابة حين نزل أول الآية إلى ختمها بها قبل أن يسمع آخرها، فأخرج ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن زيد بن ثابت، قال: أمْلَى عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) ... إلى قوله: (خلقاً آخر) - قال معاذ بن جبل: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له معاذ: مِمَّ ضحكْتَ يا رسول الله، قال: بها خُتِمت.
وحكي أن أعرابياً سمع قارئاً يقرأ: " فإنْ زَللْتُمْ من بعد ما جاءتكم البيناتُ فاعلموا أن الله غفور رحيم ".
ولم يكن يقرأ القرآن، فقال: إن هذا ليس بكلام الله، لأن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه.

الشيخ أحمد مزيد عبد الحق

 

 
مقاطع مؤثرة
العقيدة والفكر
القرآن والسنة
الفقه و أصوله
اللغة العربية
أعلام شنقيط
الدعوة والدعاة
الإقتصاد الإسلامي
تزكية النفس
قضايا معاصرة
من نحن

 
 
 
المنتـــدى الفتـــــوى
المقـــالات الاستشــارات
الأخبـــار الصوتيات
المرئيات
عن الموقع
خريطة الموقع
ألبوم الصور
اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة 2017©