الجمعة 6 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 24 نوفمبر 2017
 
 
             
أكثر المقالات قراءة
بداية التفاهم ونهاية التخاصم
العلامة السلفي الشيخ بابه بن الشيخ سيديا
الرد على كلام الشيخ محمد بن سيد يحي حول المولد النبوي/ فضيلة الشيخ أحمد الكوري
مع دعوة الدين المدني ... الجذور وجهود الأسلمة
عشر ذي الحجة .. موسم العمل الصالح !
دُمُوعٌ فِي مَآقِي الزَّمَن
خطبة الجمعة .. بين التأسيس والتسييس
المحاظر والمخاطر
مهزلة النوافذ الاسلامية للبنوك التقليدية
نظرات في سورة يوسف

مقالات > العقيدة والفكر
تاريخ الإضافة: 2015/12/13 - (444) قراءة

الـعـقـيـدة الإسلامـيـة: تعريفها . أهميتها. خصائصها.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين و آله وصحبه أجمعين

أولا : تعريف العقيدة

 لغة: العقيدة فعيلة بمعنى مفعولة "اسم مفعول"، ومادة "ع ق د" في اللغة تدور على معان أهمها([1]):

1- الثبوت على الشيء، والالتزام به، ومنه حديث  عُرْوَةُ البَارِقِيُّt: أَنَّ النَّبِيَّ  r قَالَ: « الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالمَغْنَمُ » ([2]). أي ملازم لها. ومنه العقيدة لأنها لازمة لكل الناس، ولأنها في أعلى درجات الثبوت.

2- التأكد والاستيثاق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة 89] ومنه العقيدة لأنها في أعلى درجات الثبوت والتأكد، ولأنه لابد من ثبوتها في القلب بيقين لاشك فيه. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)﴾ [الحجرات].

3- العهد والحلف: ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة 1]  ومنه العقيدة لأن الله أخذ علينا العهد بها قبل أن نولد

4- الجمع يقال اعتقدت مالا أي جمعته، وعَقَد الرمل ما تراكم واجتمع، ومنه العنقود. ومنه العقيدة لإجماع كل النبوات عليها، ولجمعها في القلب، ولأنه لابد من الإيمان بها مجتمعة.

5- العلامة: ومنه الناقة العاقد لأنها ترفع ذنبها علامة على أنها قد حملت، والعاقد حريم البئر وما حولها، ومنه العقيدة لأنها علامة الإسلام. 

6- الشد والربط: ومنه عقد الحبل أو الخيط قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) [الفلق]. ومنه العقيدة لأنه يشد عليها القلب ويربط.

واصطلاحا:

قال الجرجاني: " العقائد ما يقصد فيه نفس الاعتقاد  دون العمل"([3]).

وقال الفيومي:" اعتقدت كذا عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل: العقيدة ما يدين الإنسان به"([4]).

وفي المعجم الوسيط: " العقيدة الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، وفي الدين ما يقصد به الاعتقاد دون العمل كعقيدة وجود الله وبعثة الرسل"([5]).

و قيل: " ما عُقد عليه القلب والضمير، أو ما تدين به الإنسان واعتقده"([6]).

ويمكن أن تعرفها بأنها: "العلم بالأحكام الشرعية العلمية المكتسبة من الأدلة اليقينية مع الرد على شبهات المخالفين" .

ثانيا: أسماء العقيدة

1- الإيمان:

- من ذلك: - كتاب الإيمان : لأبي عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (ت: 224هـ).

- كتاب الإيمان: لأبي بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (ت: 235هـ).

- الإيمان للعدني : المؤلف: أبو عبد الله محمد بن يحيى ابن أبي عمر العدني (ت: 243هـ).

- كتاب الإيمان في بداية صحيح البخاري(ت: 256هـ)، كما استهل به مسلم (ت: 261 هـ) صحيحه.

- الإيمان: لابن منده  أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدَه العبدي (ت : 395هـ).

- شعب الإيمان: لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)

- الإيمان: لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)

2- التوحيد:

من ذلك: كتاب التوحيد في الجامع الصحيح للبخاري (ت: 256هـ).

- كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل :  لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري (المتوفى: 311هـ).

- التوحيد : لمحمد بن محمد بن محمود أبي منصور الماتريدي (المتوفى: 333هـ).

- الحجة في بيان المحجة وشرح التوحيد ومذهب أهل السنة  للحافظ قوَّام السنة الأصبهاني(535 هـ) .

- كتاب اعتقاد التوحيد لأبي عبدالله محمد بن خفيف(ت: 371هـ ).

- التوحيد ومعرفة أسماء الله عز وجل لابن منده أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدَه العبدي (المتوفى: 395هـ).

- الأربعون في دلائل التوحيد : لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (المتوفى: 481هـ).

- التمهيد لقواعد التوحيد لأبي المعين النسفي (508 هـ).

- التوحيد لله عز وجل: لعبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجماعيلي الدمشقي الحنبلي، أبو محمد، تقي الدين (المتوفى: 600هـ).

 - كتاب (التوحيد) للإمام محمد بن عبدالوهاب (ت: 1115هـ).

لأن العقيدة تدور على توحيد الله في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، فالتوحيد هو أشرف مباحث علم العقيدة وهو غايتها، فسمي به هذا العلم عند السلف تغليباً.

3- السنة:

من ذلك:

- السنة : لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ).

- شرح السنة : لإسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني (المتوفى: 264هـ).

- السنة : لأبي بكر أحمد بن محمد الأثرم (ت: 273هـ)، تلميذ الإمام أحمد.

- السنة : لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: 275هـ).

- السنة : لأبي بكر أحمد بن عمرو بن النبيل الشيباني (ت 277).

- السنة : أبي بكر بن أبي عاصم وهو أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني (المتوفى: 287هـ).

- كتاب السنة، لأبي عبد الرحمن عبدالله بن أحمد بن حنبل الشيباني (ت: 290هـ).

- السنة : أبي عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي (المتوفى: 294هـ).

- صريح السنة : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ).

- السنة : لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخَلَّال البغدادي الحنبلي (المتوفى: 311هـ).

- شرح السنة : لأبي محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري (المتوفى: 329هـ).

- أصول السنة : أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ).

- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة : أبي القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي (المتوفى: 418هـ)

والسنة الطريقة، فأطلق السلف على العقيدة "السُّنة" لاتباعهم طريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في ذلك. وهذا الإطلاقات الثلاثة هي السائدة في القرون الثلاثة الفاضلة.

4- الشريعة:

- الشريعة : لأبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ البغدادي (المتوفى: 360هـ).

- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة : لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)

5- أصول الدين:

- الإبانة عن أصول الديانة: لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (ت 324هـ)

- كتاب أصول الدين : لجمال الدين أحمد بن محمد بن سعيد الغزنوي الحنفي (المتوفى: 593هـ).

- معالم أصول الدين: أبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606هـ).

6- الفقه الأكبر:

من ذلك: كتاب (الفقه الأكبر) المنسوب لأبي حنيفة (ت: 150هـ) وهو يرادف أصول الدين، مقابل الفقه الأصغر وهو الأحكام الاجتهادية.

هذه هي أشهر إطلاقات أهل السنة على علم العقيدة، وقد يشركهم غيرهم في إطلاقها بالتبع، كبعض الأشاعرة وأهل الحديث منهم بخاصة.

ثالثا: أهمية العقيدة

1 - العقيدة هي أول الواجبات: قال - جل وعلا -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:19] . وعن ابن عباس t أن النبي r لما بعث معاذا إلى اليمن قال: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم»([7]).

2 – العقيدة أساس الدين : لا بد لكل بناءٍ ماديًّ كان أو معنويًّ من أساس يقوم عليه, والدين الإسلامي بناء متكامل يشمل جميع حياة المسلم منذ ولادته وحتى مماته ثم ما يصير إليه بعد موته، وهذا البناء الضخم يقوم على أساس متين هو العقيدة الإسلامية التي تتخذ من وحدانية الخالق منطلقًا لها كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162 - 163]

فالإسلام يعتنى بالعقيدة ويوليها أكبر اهتمام سواء من حيث ثبوتها بالنصوص ووضوحها أو من حيث ترتيب آثارها في نفوس معتقديها؛ لذا نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم مكث عشر سنين بمكة ينزل عليه القرآن وكان في غالبه ينصب على البناء العقدي حتى إذا ما تمكنت العقيدة في نفوس أصحابه رضوان الله عليهم نزلت التشريعات الأخرى.

3 - العقيدة الصحيحة هي شرط صحة جميع الأعمال: فلا تصح الأعمال إلا معها، ولا تقبل الأقوال إلا بها؛ ومن فسدت عقيدته؛ فسد عمله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:110) .

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِين﴾ (الزمر:65) .

4- العقيدة الصحيحة هي طريق النجاة  للفرد المسلم، وصلاح الأمة، وتوحيد كلمتها ، ومن ثَمَّ التمكين لها في الأرض، والنصر على أعدائها. قال  عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:55) .

5 – العقيدة ضرورة: إن العقيدة أيًّا كانت هذه العقيدة تعد ضرورة من ضروريات الإنسان التي لا غنى له عنها ذلك أن الإنسان بحسب فطرته يميل إلى اللجوء إلى قوة عليا يعتقد فيها القوة الخارقة والسيطرة الكاملة عليه وعلى المخلوقات من حوله, وهذا الاعتقاد يحقق له الميل الفطري للتدين ويشبع نزعته تلك، فإذا كان الأمر كذلك فإن أولى ما يحقق ذلك هو الاعتقاد الصحيح الذي يوافق تلك الفطرة ويحترم عقل الإنسان ومكانته في الكون، وهذا ما جاءت به العقيدة الإسلامية, قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].

6 – العقيدة العنصر الرئيسي: لما كان الدين الإسلامي بناءً متكاملًا اعتقادًا وعبادةً وسلوكًا، لزم أن يكون هذا البناء متناسقًا ومنسجمًا، لذا نجد أن العنصر الأساسي فيه هو العقيدة الإسلامية التي يقوم عليها، وهي عقيدة التوحيد الخالص لله تعالى، مما يكسبها مركزًا مهمًّا لفهم الدين الإسلامي فهمًا صحيحًا. فالعقائد الإسلامية والعبادات والمعاملات والسلوك كلها تتجه لوجهة واحدة هي إخلاص الدين لله تعالى وهذا الاتجاه المتحد له أهمية قصوى في فهم الدين الإسلامي قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125]

6 – العقيدة الإسلامية سبب للحرية الحقيقة: إن إفراد الله تعالى بالتوجه إليه في جميع الأمور يحقق للإنسان الحرية الحقيقية التي يسعى إليها فلا يكون إلا عبدًا لله تعالى وحده لا شريك له فتصغر بذلك في عينه جميع المعبودات من دون الله، وتصغر عنده العبودية للمادة والانقياد للشهوات؛ فإن العقيدة ما إن تتمكن من قلب المسلم حتى تطرد عنه الخوف مما سوى الله تعالى قال ربعيt :" الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إِلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إِلى سعتها، ومن جور الأديان إِلى عدل الإِسلام"([8]).

رابعا: خصائص العقيدة الإسلامية

1: الوضوح

فالعقيدة الإسلامية عقيدة واضحة لا غموض فيها ولا تعقيد، فهي تتلخص في أن لهذه المخلوقات إلهًا واحدًا مستحقًّا للعبادة هو الله تعالى الذي خلق هذا الكون البديع المنسق وقدر كل شيء فيه تقديرًا، وأن هذا الإله ليس له شريك ولا شبيه ولا صاحبة ولا ولد. فهذا الوضوح يناسب العقل السليم لأن العقل دائما يريد الترابط والوحدة عند التنوع والكثرة، ويريد أن يرجع الأشياء المختلفة إلى سبب واحد.

وكما أن العقيدة الإسلامية واضحة فهي كذلك لا تدعو إلى الاتِّباع الأعمى بل على العكس فإنها تدعو إلى التبصر والتعقل لأن العقيدة لا تخالف العقل الصحيح الفطري قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108] .

2: الفطرية

إن العقيدة الإسلامية ليست غريبة عن الفطرة السليمة ولا مناقضة لها، بل هي على وفاق تام وانسجام كامل معها.

وليس هذا بالأمر الغريب إذ أن خالق الإنسان العليم بحاله هو الذي شرع له من الدين ما يناسب فطرته التي خلقه عليها، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: 30] وقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14] والواقع شاهد على موافقة الفطرة للعقيدة الإسلامية القائمة على الإخلاص لله وحده، فما أن يصاب الإنسان بضر تعجز أمامه القوى المادية إلا ويلجأ إلى الله تعالى في تذلل وخضوع، ويستوي في ذلك الكافر والمؤمن، بل حتى الطفل الصغير فإنه لو ترك على حاله دون أن يؤثر عليه والداه أو البيئة من حوله لنشأ معتقدًا بالله تعالى ربًّا وإلهًا لا يعبد سواه لذلك عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: «مامن مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» ثم يقول أبوهريرة t: «فطرة الله التي فطر  ـ إلى قوله: القيم» متفق عليه وزاد مسلم: «يشركانه» وله أيضا: «مامن مولود إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه»([9]).

3: عقيدة ثابتة ودائمة :

لما كانت العقيدة الإسلامية تقوم على الدليل والبرهان لزم أن تكون عقيدة ثابتة ودائمة قال الله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: 64] وسبب هذا هو ثبوت مصادرها ودوامها لأن الله تعالى تكفل بحفظها ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] فهي عقيدة ثابتة ومحددة لا تقبل الزيادة ولا النقصان، ولا التحريف ولا التبديل.

وقد هدد القرآن الكريم العلماء خاصة من أن تميل بهم الأهواء والأطماع أو الإغراءات المادية فيزيدوا أو ينقصوا شيئًا من الدين قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79] .

4 : عقيدة وسط لا إفراط فيها ولا تفريط

إن العقيدة الإسلامية وسط بين الذين ينكرون كل ما وراء الطبيعة مما لم تصل إليه حواسهم وبين الذين يثبتون للعالم أكثر من إله والذين يحلون روح الإله في الملوك والحكام، بل وفي بعض الحيوانات والنباتات والجمادات، فقد رفضت العقيدة الإسلامية الإنكار الملحد كما رفضت التعدد الجاهل والإشراك الغافل وأثبتت للعالم إلهًا واحدًا لا شريك له كما أنها وسط في الصفات الواجبة لله تعالى فلم تسلك سبيل الغلو في التجريد فتجعل صفات الإله صورًا ذهنيةً مجردةً عن معنى قائم بذات لا توحي بخوف ولا رجاء، كما فعلت الفلسفة اليونانية، ولم تسلك كذلك سبيل التشبيه والتمثيل والتجسيم كما فعلت بعض العقائد حيث جعلت الإله كأنه أحد المخلوقين يلحقه ما يلحقهم من نقص وعيوب فالعقيدة الإسلامية تنزه الله تعالى إجمالًا عن مشابهة المخلوقين قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] ومع هذا تصفه بصفات إيجابية فعالة تبعث الخوف والرجاء في نفوس العباد كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]

ثم إنها وسط بين التسليم الساذج والتقليد الأعمى في العقائد وبين الغلو والتوغل بالعقل لإدراك كل شيء حتى الألوهية فهي تنهى عن التقليد الأعمى، حيث عاب الله على القائلين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23] وتنهى عن التوغل بالعقل لإدراك كيفية صفات الرب عز وجل فقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110] وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] وتدعوهم إلى التوسط والأخذ بالمدركات كوسائط قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 20 - 21].

فضيلة الشيخ  أحمد بن الكوري الشنقيطي

 
 
مقاطع مؤثرة
العقيدة والفكر
القرآن والسنة
الفقه و أصوله
اللغة العربية
أعلام شنقيط
الدعوة والدعاة
الإقتصاد الإسلامي
تزكية النفس
قضايا معاصرة
من نحن

 
 
 
المنتـــدى الفتـــــوى
المقـــالات الاستشــارات
الأخبـــار الصوتيات
المرئيات
عن الموقع
خريطة الموقع
ألبوم الصور
اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة 2017©